سيد محمد طنطاوي

131

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

دليل واضح على صحة نبوة النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأنه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك » « 1 » . ثم أكد - سبحانه - صدق ما أخبر به عن عيسى وغيره فقال : * ( إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ، وما مِنْ إِله إِلَّا اللَّه وإِنَّ اللَّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * . أي إن الذي قصصناه عليك وأخبرناك به يا محمد من شأن عيسى ومن كل شأن من الشؤون لهو القصص الثابت الذي لا مجال فيه الإنكار منكر ، ولا لتشكيك متشكك . وقد أكد - سبحانه - صدق هذا القصص بحرف إن وباللام في قوله * ( لَهُوَ ) * وبضمير الفصل « هو » وبالقصر الذي تضمنه تعريف الطرفين وذلك ليكون الرد حاسما على كل منكر ما أخبر اللَّه به في شأن عيسى - عليه السّلام - وفي كل ما قصه على نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقوله * ( وما مِنْ إِله إِلَّا اللَّه ) * نفى قاطع لأن يكون هناك إله سوى اللَّه - تعالى - وإثبات بأن الألوهية الحقة إنما هي اللَّه رب العالمين . وقد أكد - سبحانه - نفى الألوهية عن غيره بكلمة * ( مِنْ ) * المفيدة لاستغراق النفي استغراقا مستمرا ثابتا مؤكدا . وقوله * ( وما مِنْ إِله إِلَّا اللَّه ) * « ما » نافية ، و « إله » في قوله * ( مِنْ إِله ) * مبتدأ و * ( مِنْ ) * مزيدة فيه ، و * ( إِلَّا اللَّه ) * خبره والتقدير : وما إله إلا اللَّه ، وزيدت من للاستغراق والعموم . وقوله * ( وإِنَّ اللَّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * تذييل قصد به تأكيد قصر الألوهية على اللَّه - تعالى - وحده ، أي وإن اللَّه - تعالى - لهو المنفرد بالألوهية وحده لأنه هو الغالب الذي يقهر ولا يقهر ، الحكيم في كل ما يخلقه ويدبره . وفي هذا التذييل أيضا رد على أولئك الضالين الذين يزعمون أن المسيح إله ويعتقدون مع ذلك أنه صلب ولم يستطع أن يدافع عن نفسه . ثم ختم - سبحانه - تلك المحاجة بقوله : * ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) * . أي فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك بعد هذه الآيات البينات والحجج الواضحات التي أخبرناك بها وقصصناها عليك ، فأنذرهم بسوء العاقبة ، وأخبرهم أن اللَّه - تعالى - عليم بهم ، وبما يقولونه ويفعلونه من فساد في الأرض ، وسيعاقبهم على ذلك العقاب الأليم . فقوله * ( فَإِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ) * قائم مقام جواب الشرط ، أي فإن تولوا فأخبرهم بأنهم مفسدون وأن لهم سوء العقبى لأن اللَّه عليم بإفسادهم ولن يتركهم بدون عقوبة .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 269 .